فخر الدين الرازي

748

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )

اختلاف الناس في المسكين قبل هذا ، أما الأسير فقد اختلفوا فيه على أقوال : أحدها : قال ابن عباس والحسن وقتادة : إنه الأسير من المشركين ، روى أنه عليه الصلاة والسلام كان يبعث الأسارى من المشركين ليحفظوا وليقام بحقهم ، وذلك لأنه يجب إطعامهم إلى أن يرى الإمام رأيه فيهم من قتل أو فداء أو استرقاق ، ولا يمتنع أيضا أن يكون المراد هو الأسير كافرا كان أو مسلما ، لأنه إذا كان مع الكفر يجب إطعامه فمع الإسلام أولى ، فإن قيل : لما وجب قتله فكيف يجب إطعامه ؟ قلنا : القتل في حال لا يمنع من الإطعام في حال أخرى ، ولا يجب إذا عوقب بوجه أن يعاقب بوجه آخر ، ولذلك لا يحسن فيمن يلزمه القصاص أن يفعل به ما هو دون القتل ثم هذا الإطعام على من يجب ؟ فنقول : الإمام يطعمه فإن لم يفعله الإمام وجب على المسلمين وثانيها : قال السدي : الأسير هو المملوك وثالثها : الأسير هو الغريم قال عليه السلام : « غريمك أسيرك فأحسن إلى أسيرك » ورابعها : الأسير هو المسجون من أهل القبلة وهو قول مجاهد وعطاء وسعيد بن جبير ، وروى ذلك مرفوعا من طريق الخدري أنه عليه السلام قال : مِسْكِيناً فقيرا وَيَتِيماً لا أب له وَأَسِيراً قال المملوك : المسجون وخامسها : الأسير هو الزوجة لأنهن أسراء عند الأزواج ، قال عليه الصلاة والسلام : « اتقوا اللّه في النساء فإنهن عندكم أعوان » قال القفال : واللفظ يحتمل كل ذلك لأن الأصل الأسر هو الشد بالقد ، وكان الأسير يفعل به ذلك حبسا له ، ثم سمي بالأسير من شد ومن لم يشد فعاد المعنى إلى الحبس . [ قوله تعالى إِنَّا نَخافُ مِنْ رَبِّنا يَوْماً عَبُوساً قَمْطَرِيراً ] واعلم أنه تعالى لما ذكر أن الأبرار يحسنون إلى هؤلاء المحتاجين بين أن لهم فيه غرضين أحدهما : تحصيل رضا اللّه وهو المراد من قوله : إِنَّما نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ والثاني : الاحتراز من خوف يوم القيامة وهو المراد من قوله : إِنَّا نَخافُ مِنْ رَبِّنا يَوْماً عَبُوساً قَمْطَرِيراً وهاهنا مسائل : المسألة الأولى قوله : إِنَّما نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ إلى قوله : قَمْطَرِيراً يحتمل ثلاثة أوجه أحدها : أن يكون هؤلاء الأبرار قد قالوا هذه الأشياء باللسان ، إما لأجل أن يكون ذلك القول منعا لأولئك المحتاجين عن المجازاة بمثله أو بالشكر ، لأن إحسانهم مفعول لأجل اللّه تعالى فلا معنى لمكافأة الخلق ، وإما أن يكون لأجل أن يصير ذلك القول تفقيها وتنبيها على ما ينبغي أن يكون عليه من أخلص للّه حتى يقتدي غيرهم بهم في تلك الطريقة وثانيها : أن يكونوا أرادوا أن يكون ذلك وثالثها : أن يكون ذلك بيانا وكشفا عن اعتقادهم وصحة نيتهم وإن لم يقولوا شيئا . وعن مجاهد أنهم ما تكلموا به ولكن علمه اللّه تعالى منهم فأثنى عليهم . المسألة الثانية : اعلم أن الإحسان من الغير تارة يكون لأجل اللّه تعالى ، وتارة يكون لغير اللّه تعالى إما طلبا لمكافأة أو طلبا لحمد وثناء وتارة يكون لهما وهذا هو الشرك والأول هو المقبول عند اللّه تعالى ، وأما القسمان الباقيان فمردودان قال تعالى : لا تُبْطِلُوا صَدَقاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذى كَالَّذِي يُنْفِقُ مالَهُ رِئاءَ النَّاسِ [ البقرة : 264 ] وقال : وَما آتَيْتُمْ مِنْ رِباً لِيَرْبُوَا فِي أَمْوالِ النَّاسِ فَلا يَرْبُوا عِنْدَ اللَّهِ وَما آتَيْتُمْ مِنْ زَكاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ [ الروم : 39 ] ولا شك أن التماس الشكر من جنس المن والأذى . إذا عرفت هذا فنقول : القوم لما قالوا : إِنَّما نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ بقي فيه احتمال أنه أطعمه لوجه اللّه ولسائر الأغراض على سبيل التشريك ، فلا جرم نفى هذا الاحتمال بقوله : لا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزاءً وَلا شُكُوراً . المسألة الثالثة : الشكور والكفور مصدران كالشكر والكفر ، وهو على وزن الدخول والخروج ، هذا قول جماعة أهل اللغة ، وقال الأخفش : إن شئت جعلت الشكور جماعة الشكر وجعلت الكفور جماعة الكفر لقول :